يشكل الكتاب الصادر عن المؤسسة اللبنانية للسلم الاهلي الدائم، بالتعاون مع مؤسسة كونراد اديناور، بعنوان: الجغرافية الانتخابية في لبنان: شروط التمثيل الديمقراطي (بيروت، المكتبة الشرقية، 2002، 376 ص) اطار منهجيًا لدراسة تقسيم الدوائر الانتخابية انطلاقًا من الخبرة اللبنانية منذ 1920 وانسجامًا مع مبدأ الهيئة الانتخابية الموحدة وشروط ميثاق العيش المشترك.
الكتاب هو حصيلة بحث جماعي شارك فيه اكثر من عشرين باحثًا بالاضافة الى مقابلات مع باحثين وسياسيين ووقائع ندوتين عقدتا في مجال علم السياسة في جامعة القديس يوسف في 6/7 و1/12/2001. وصدر جزء ثان (جزء 19 من منشورات المؤسسة) في آذار 2003 يحتوي على وقائع اربع ندوات عقدت في مختلف المحافظات، بالتعاون مع الرابطة الثقافية طرابلس (13/4/2002) ومنتدى الحوار الديمقراطي في زحله (29/6/2002) ومركز التنمية والحوار في صيدا 26/10/2002) والحركة الثقافية انطلياس (10/12/2002).
لماذا البعد الجغرافي؟
كانت الدراسات الانتخابية في شكل عام منذ الستينات تغرق كل المواضيع وتخلطها ببعضها: من اللائحة الانتخابية الى البطاقة والنفقات والجغرافية وغيرها. فيأتي من بعدها السياسيون يقولون ان الناس مختلفون والآراء كثيرة، ويعملون اذاك ما يحلو لهم. لهذا السبب كان الهدف التركيز على الجغرافية، اقتناعًا انها تشكل الموضوع المحوري الذي تتفرع عنه القضايا الاخرى، خصوصًا في لبنان حيث يقتضي مصالحة الناس مع الجغرافية التي هي المكان الذي تمارس فيه المواطنية ويرتبط من خلاله الناس بالارض وبالعمل السياسي. يضاف الى ذلك تعثر التنمية المتوازنة في السلطة المركزية. الهدف الاساسي لكل عملية انتخابية، دون ادلجتها (من ايديولوجيا) في اندماج قسري، هو تمثيل الناس بأفضل طريقة ممكنة، دون دمجهم اصطناعيًا، ولا فرزهم اصطناعيًا. هذا هو مصدر الشرعية، وعندها يكون مجلس النواب مجال حوار دائم وتفاوض وتقرير.
ما يبرر تاليًا محورية البعد الجغرافي في الانتخابات التشريعية في لبنان ثلاثة عوامل:
1. ارتباط الجغرافية بمبدأ الهيئة الانتخابية الموحدة : جاء في مقدمة الكتاب بقلم الدكتور انطوان مسرّه: "يستطيع النظام الانتخابي اللبناني من خلال تقسيم الدوائر ان يؤمن الانطباق او عدمه مع روحية الهيئة الانتخابية الموحدة التي بموجبها يصوت ناخبون من طوائف متعددة لمرشحين من عدة طوائف، بدل ان تتمثل الطوائف بواسطة هيئات طوائف منفصلة. قد تؤدي آلية تقسيم الدوائر الى خلل في النظام التمثيلي اللبناني والى اضعاف قدرة مجلس النواب في ان يكون محور حوار دائم ومؤسسي. ان الدمج المصطنع لمناطق ذات تركيبة طائفية متميزة، كما الفصل المصطنع لمناطق ذات تركيبة طائفية متجانسة، يؤديان الى الاخلال بالانسجام تحت ذريعة صيانته".
2. المصالحة مع الجغرافية : المجال اللبناني في ادراكه تجزأ وتطيف وتم استملاكه بفعل خطوط التماس، ليس المادية فحسب بل النفسية ايضًا. ان التلاعب بالجغرافية واستغلالها للتحكم بنتائج انتخابية لا يقل خطورة عن المتاريس والمعابر المادية المسلحة، اذ يؤسس لمتاريس ومعابر نفسية وسياسية تزعزع الشرعية والاستقرار.
3. تخطي الاستقطاب الطائفي : ينطلق تخطي الاستقطاب الطائفي في الانتخابات من ضرورة العمل على تجنب طغيان اكثريات على اقليات او اقليات على اكثريات في تقسيم الدوائر والا يجري ترسيخ هذا الاستقطاب واعادة انتاجه تحت شعار "الغاء الطائفية".
الحكمة بدلاً من التلاعب
يقول رئيس جامعة القديس يوسف الاب سليم عبو في تقديم الندوة التي عقدت في جامعة القديس يوسف: "انه اكثر حكمة الرضوخ للرأي العام بدلاً من التلاعب به". ويقول غريغور ميرينغ الممثل المقيم لمؤسسة كونراد اديناور في بيروت وعمان: "الموضوع ليس مهمًا على مستوى لبنان كبلد من البلدان العربية ولكنه مهم على المستوى الاقليمي. يجب على النظام السياسي اللبناني ان يمثل الواقع السياسي والاجتماعي ولكنه ينبغي ايضًا ان يغير هذا الواقع السياسي والاجتماعي لان البلاد العربية بحاجة الى تغييرات سياسية عميقة".
ويقول د. محمد المجذوب: "من اهم المآخذ على الخريطة السياسية المتعلقة بالجغرافية الانتخابية طريقة تقسيم البلد الى دوائر انتخابية بواسطة قوانين مناقضة لمبدأ المساواة الذي ينص عليه الدستور في مقدمته (البند ج) وفي مادته السابعة. هذه الطريقة كانت دائمًا عملية سياسية استنسابية وعشوائية تنطوي على اغراض خاصة، من شأنها الاجهاز على القيمة الاقتراعية لمبدأ الانتخاب الشعبي. لهذا اكد المجلس الدستوري اللبناني في قراره الصادر في 7/8/1996:
"- ان الانتخاب لا يكون تعبيرًا ديمقراطيًا صحيحًا عن سيادة الشعب " الا اذا تأمنت من خلاله المبادئ العامة الدستورية التي ترعى الانتخاب، ولا سيما مبدأ مساواة المواطنين امام القانون ".
- "وان القانون يجب ان يكون واحدًا لجميع المواطنين، انطلاقًا من مبدأ اعطاء كل صوت القيمة الاقتراعية ذاتها في مختلف الدوائر الانتخابية، ومن خلال المساواة في محتوى قانون الانتخاب بالنسبة الى تقسيم هذه الدوائر.
"- وان صدقية النظام التمثيلي لا تتوقف فقط على المساواة في حق التصويت، بل تركز ايضًا على قاعدة تقسيم للدوائر الانتخابية تكون ضامنة للمساواة في التمثيل السياسي".
يتضمن الكتاب ثلاثة ابواب: "الاطار الجغرافي للانتخابات النيابية في لبنان (انطوان مسرّه، عبدو قاعي، جهاد نمور، بنجامان سنتامون، ريتا زعرور، جوسلين ادجيزيان جيرار، انطوان غصين)، و"مناطق وسكان وطوائف: قواعد الميثاق انتخابي" (فاديا كيوان، واصف الحركه، عصام سليمان، سليمان تقي الدين، شوكت اشتي، رانيا سفر) "ومواقف واستنتاجات" (جورج آصاف، سكارليت حداد، بطرس حرب، عبدو سعد، طوني عطالله، قيصر معوض، البير منصور، انطوان حداد، طلال الحسيني، نقولا ناصيف).
سبع قواعد رئيسة
يستخلص من البحث الجماعي والندوتين سبع قواعد رئيسة:
1. مبادئ المساواة والتواصل الجغرافي: هذان المبدآن المعترف بهما في الاجتهاد الانتخابي يقر بهما صراحة المجلس الدستوري بطريقة او بأخرى، ويقتضي تاليًا الاخذ بهما في التطبيقات العملية.
2. النظام الاكثري المقيد: النظام الانتخابي الاكثري الذي يجمع اللوائح الكبرى في دوائر كبرى يؤدي الى اختلال يقتضي تجنبه بواسطة النظام الاكثري حيث الاصوات تصبح محصورة في عدد من المرشحين يتراوح بين 4 و6.
3. التمثيل الطائفي الاجمالي: حيث انه يستحيل احترام مبدأ الهيئة الانتخابية الموحدة وغالبًا بشكل مصطنع على مستوى كل دائرة، لذا يقتضي تأمين الانطباق مع هذا المبدأ (الذي بموجبه ينتخب مقترعون من طوائف متعددة مرشحين من عدة طوائف) على مستوى لبنان ككل (المادة 4 من القانون الانتخابي).
4. عدد النواب: يقتضي وقف كل منحى لزيادة العدد لانه يستخدم غالبًا لتوسيع قاعدة النواب الحلفاء والمستخدمين بدلاً من تعزيز التمثيل.
5. قياس التمثيل: يقتضي توجيه هذا القياس نحو مقاربات اكثر نوعية بحيث تشمل مفهوم الحكمية التي بموجبها يمكن تعزيز الشرعية او اضعافها.
6. واقعية وتواضع: ان الدراسات والبحوث التي تهدف الى بلورة نظام انتخابي جديد في الظرف الراهن، يقتضي تركيزها على العوامل التي تحد من المفاعيل المتشائمة للدورات الثلاث الاخيرة والانحرافات المناقضة للديمقراطية. ان اي نظام اذا اتجه نحو مزيد من التسلط، فان كل موضوع التقسيمات يصبح ثانويًا لان مجمل العملية تتعرض للتزوير.
7. السلوك الانتخابي: ان السلوك الانتخابي للبنانيين يشكل متغيرًا اساسيًا حيث تظهر الدراسات فقرًا كبيرًا في هذا المجال.