المؤسسة اللبنانية للسلم الاهلي الدائم

flpcp logo


الحق في الذاكرة (VOL 1)


الحق في الذاكرة: ملامح وأبحاث في بناء الانسان

جاء في مقدمة شرعة الاونيسكو: "ان الحروب تنشأ في النفوس ولذلك يقتضي وضع الحماية في النفوس من أجل السلام". فما هي انطلاقًا من هذه الشرعة الملامح النفسية للباحث في المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم؟ يمكن تحديد هذه الملامح بالنقاط التالية:

1. يعتبر الباحث في المؤسسة ان لبنان في حدوده الحاضرة وتكوينه البشري وتفاعل ابنائه هو معطى . يقتضي ولا شك وباستمرار ترسيخ أسس هذا المعطى لكن لا مجال للاسترسال العقيم والغرائزي في البحث عن خيارات وبدائل واحلام ورهانات وآمال لأن كل الخيارات خارج العيش المشترك، على افتراض انها متوفرة، هي في أفضل الحالات (وأسوأها) أسوأ من العيش المشترك الذي عرفه اللبنانيون ويدافع عنه العالم.

2. ان المشارك في المؤسسة هو دون عقد نفسية يدرك شركاءه في المواطنية دون تعالي ودون تدرج في المواطنية والأصالة والولاء واللبنانية والعروبة والمسيحية والاسلام وبالتالي فان شهداء البعض ليسوا أفضل من شهداء البعض الآخر.

3. انه لا عازل ولا انعزالي يدرك المشاركة الديمقراطية أساسًا ثابتًا في ادارة الشؤون العامة ويحصر الخلافات في كيفية تنظيم المشاركة لا في مبدئها.

4. انه يعمل حسب المبدأ التالي الذي يردده الآباء والمناظرون في المدارس: الصغار لا يلعبون مع الكبار . لبنان ولا شك كبير في انفتاحه وتراثه الثقافي ودوره لكن اللبنانيين صغار في اللعبة الدولية. هل ولى عهد الاستقواء بالخارج للحفاظ على مواقع داخلية وكذلك عهد الحمايات والضمانات في زمن الاستقطاب الدولي وسياسة الاحتواء المعاصرة؟

5. انه يدرك ان الوطن المتنوع وطن صعب ولكن غير مستحيل اذا ما توفرت الارادة بدلاً من الغرائز والعقلانية والواقعية العلمية بدلاً من الانفعالية والبدائية، مع العلم ان كل الأمور الراقية في الحياة الفردية، كما في الحياة الجماعية، هي من الشؤون الصعبة التي تبنى بالآلام.

6. انه يستعمل نفس اللغة ودون التباس أو تقية مع الجميع فخطابه والفاظه واحدة في الموضوع الواحد في الأشرفية والبسطه وطرابلس وكسروان والهرمل وعين ابل.

7. انه يرى أبعد من طائفته وحزبه وقريته وحيه وعائلته ويتخذ بعدًا منهجيًا في مقاربته للشؤون العامة.

8. انه يميز بين العدو الخارجي والمنافس الداخلي على اساس ان كل لبناني حسب تذكرة الهوية هو شريك في المواطنية.

9. انه يدرك ماهية النظام والقاعدة الحقوقية ومفهوم المؤسسة كشخصية معنوية على اعتبار ان اللبنانيين يدفعون ضريبة الأمن المفقود بسبب فقدان الادراك الراسخ للدولة ولسلطتها ولأدواتها المؤسسية. ان احترام النظام وادراك مفهوم المؤسسات دون تحجر هو الضمانة الاولى للاستقرار وللمصلحة العامة.

10. انه يعتمد العلم والتخطيط موظفًا مختلف العلوم الانسانية المعاصرة من اجل ترسيخ أسس العيش المشترك وترجمة هذه الأسس سلوكيًا وردم الهوة بين ما يعيشه اللبنانيون وما ينظره لهم الايديولوجيون البعيدون عن ثقافة الناس الحياتية. انه تاليًا يؤمن بالفكر كعامل فاعل في توحيد المجتمعات واستقرارها وانمائها ويميز بين هذا الفكر الذي يتمظهر بالأبحاث المرتطبة بالواقع وبين الانتاج الايديولوجي والحركية السياسية بهدف الوصول الى مواقع في السلطة. ان التعالي على السياسة "السياسية" هو ضرورة منهجية وليس احتقارًا للعمل السياسي المباشر الذي له مستلزماته ورجاله.

11. انه يعدل عن كل تجارب الماضي العبثية متعظًا من هذه التجارب في توبة قومية رادعة وجامعة فلا يدرك التاريخ كعملية تصادمية تكرارية وحتمية ويسعى الى التوازن والحفاظ على حقوق الانسان في المساواة والمشاركة دون استقواء او احتكار بالنسبة الى شركاء في المواطنية.

12. انه يعتبر في تنظيره وممارسته ان العيش المشترك هو القضية اللبنانية الأولى، لا تعلو عليها أية قضية اخرى داخلية أو خارجية مهما سمت، وان لهذه القضية بعدًا حضاريًا ومسكونيًا في المنطقة، وان هذه القضية مرادفة لوجود لبنان واستمراريته وللوجه الحضاري للاسلام والمسيحية وللعروبة الحضارية بعكس التنظير خلال الحروب في لبنان منذ 1975 حول "التمايز الوطني" والسخرية من لبنان "كمختبر للفاتيكان". انه تاليًا يؤمن بالحوار المسيحي – الاسلامي وبالعمل المسكوني ويمارسهما بالرغم من كل المصاعب والتجارب، كسبيل وحيد في التفاعل وكهدف أصيل لكل الأديان ولكل المؤمنين وكنمط حضاري ونموذجي خلافًا للأنماط الاخرى ذات الطابع العنصري. ان الباحث والمشارك في المؤسسة هو تاليًا من حافظ ويحافظ على علاقاته بشكل مستمر مع كل اللبنانيين، في السلم كما في أوقات النزاع، لأن الوطن اللبناني "ليس مجرد أرض بل علاقات بين اللبنانيين وبين اللبنانيين وهذه الأرض"، حسب تعبير للرئيس حسين الحسيني.

***

ان هذه الملامح الشخصية للباحث المشارك في المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم غير متوفرة في حزب أو تنظيم محدد وان كانت معيوشة عند اللبنانيين في حياتهم اليومية ومصالحهم المشتركة وتفاعلهم الثقافي. لذا فان المؤسسة تعمل مع كل الذين تتوفر في ادراكهم وسلوكهم الملامح الشخصية التي تحدد هوية وأهداف المؤسسة. ان الاستاذ الجامعي "المستقل" الذي يطلق خطابًا عقائديًا هو أبعد عن هذه الملامح من الحزبي الملتزم والمنفتح على الحوار العلمي الهادئ ودون نظارات ايديولوجية مسبقة أو ثقافة مغتربة.

قد يقول البعض ان كل ما جاء في هذه المقدمة هو خاطئ. لكن الموضوع ليس معرفة من هو على حق ومن هو على خطأ بعد سنوات من الحروب في لبنان، بل فتح الأعين جيدًا على الواقع، كل الواقع، وان كان ذلك مؤلمًا ومؤلمًا جدًا لأن التحديد الأولي للعلم هو تفسير ومعالجة تحسين الواقع.

الصفحة الرئيسية المنشورات


Conception et hébergement
Kleudge
Droits d'auteur © 2005 Kleudge s.a.r.l.
Tous droits réservés